حسن الأمين

305

مستدركات أعيان الشيعة

وبعد فليس يخفى كلام من قصد الحكاية وذكر المقالة ، من كلام المشيد لها ، الجاهد نفسه في تصحيحها وترتيبها . ومن وقف على كتب « الجاحظ » التي ذكرناها ، علم أن قصده لم يكن الحكاية ، وكيف يقصد إلى ذلك من أورد من الشبه والطرق ما لم يخطر كثير منه ببال أهل المقالة التي شرع في حكايتها ، وليس يخفى على المنصفين ما في هذه الأمور . إنه بهذا الكشف عن نفس « الجاحظ » و « ابن الراوندي » ، دل على ما كان يخالط روحيهما من رغبة في مجرد تبني الآراء وتمثلها وصوغها ، وهو أمر لا يلتفت إليه عادة إلا أديب خبر النفوس ، وعرف منطوياتها وبواعثها على القول ، ثم صور ذلك تصويرا أدبيا بعيدا عن أساليب المتكلمين من غير الأدباء . وكذلك قد يعمد إلى الأسلوب الأدبي عند نقد المعاني ، أو عند الحكم على مقادير الشعراء ، فمن الأول قوله - تعليقا على أبيات « ابن الرومي » : كفى بسراج الشيب في الرأي هاديا إلى من أضلته المنايا لياليا أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي لرامي المنايا تحسبيني ناجيا غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه لشخصي ، فاخلق أن يصبن سواديا وكان كرامي الليل يرمى ولا يرى فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا « لقد أحسن في البيت الأخير غاية الإحسان ، لأن المعنى الذي قصده تكامل فهمه ، وانتهى إلى الغاية عنده ، وساعده اللفظ وحسن العبارة ، فلم يبق عذر في قبول القلوب له ، وعلوقها به . ومن شان « ابن الرومي » أن يورد المعنى ، ثم يأخذ في شرحه في بيت آخر ، وإيضاحه وتشعيبه وتفريعه ، فربما أخفق وأكدى ، وربما أصاب فاصمى ، لأن الشعر إنما تحمد فيه الإشارة والاختصار ، والإيماء إلى الأغراض ، وحذف فضول القول . وفي هذه الأبيات قد اتفق له أنه لما كرر المعنى وأعاد وأبداه ، خلص في البيت الأخير ، وصفا وعذب مذاقه ، لأنه في أول بيت قد أشار إلى المعنى الموجود في آخرها ، وفي البيت الثاني أيضا قد أعاد ذلك ، وفي البيت الثالث قد ألم بعض الإلمام ، لأنه ذكر أن سهام الدهر تقرب إليه ، وأخلق أن يصبن سواده - يعني شخصه - ولم يذكر العلة في إصابتها له ، وهي إضاءة المشيب ، وهدايتها إلى مراميه ، كما ذكره في البيتين الأولين ، وطبق المفصل في البيت الرابع « . ( 1 ) وكقوله تعقيبا على أبيات البحتري : وكنت أرجي في الشباب شفاعة وكيف لباغي حاجة بشفيعه مشيب كبث السرعي بحمله محدثه أو ضاق صدر مذيعه تلاحق حتى كاد يأتي بطيؤه لحث الليالي قبل آتي سريعه « هذا والله أبلغ كلام وأحسنه ، وأحلاه وأسلمه ، وأجمعه لحسن اللفظ وجودة المعنى ، وما أحسن ما شبه تكاثره وتلاحقه ، ببث السر عن ضيق صدر صاحبه ، وإعيائه بحمله ، وعجزه عن طيه . ( 2 ) ومن الثاني قوله متحدثا عن سيرة بعض الرواة والأدباء : « نشا جماعة بعد هؤلاء - يريد مشركي الجاهلية - ممن يتستر بإظهار الإسلام ، ويحقن بإظهار شعاره والدخول في جملة أهله دمه وماله ، زنادقة ملحدون ، وكفار مشركون ، منعهم عز الإسلام عن المظاهرة والمجاهرة ، وألجاهم خوف القتل إلى المساترة ، وبلية هؤلاء على الإسلام وأهله أعظم وأغلظ ، لأنهم يدخلون في الدين ، ويموهون على المستضعفين ، بجاش رابط ، ورأى جامع ، فعل من قد أمن الوحشة ، ووثق بالأنسة ، بما يظهر من لباس الدين ، الذي هو منه على الحقيقة عار ، وبأثوابه غير متوار » . ثم عددهم « المرتضى » فقال : « أما » الوليد « فكان مشهورا بالإلحاد ، متظاهرا بالعناد ، غير محتشم في إطراح الدين أحدا ، ولا مراقب فيه بشرا . وأما « حماد الراوية » فكان منسلخا من الدين ، زاريا على أهله ، مدمنا لشرب الخمور ، وارتكاب الفجور . وأما « ابن المقفع » فان « جعفر بن سليمان » روى عن « المهدي » أنه قال : ما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله « ابن المقفع » ، وكان مع قلة دينه ، جيد الكلام ، فصيح العبارة ، له حكم وأمثال مستفادة . وكان « بشار » مقدما في الشعر جدا ، حتى أن كثيرا من الرواة يلحقه بمن تقدم عصره من الموجودين « . ( 3 ) ولقد بدا لي من تتبع كثير من نثره الأدبي أنه إذ يعالج موضوعا أدبيا يستقصي وجوه القول فيه ، ويلم بمختلف أطرافه حتى لكأنه باحث في مسألة علمية ، أو مدرس يعلم طلابه كيف يجب أن تتناول المسائل ، وتفحص المعاني ، وكيف ينبغي ألا يفوتهم منها الدقيق والجليل . انظر إليه وهو يتحدث عن معاني الشيب . « واعلم أن الشيب قد يمدح ويذم على الجملة ، ثم يتنوع مدحه إلى فنون ، فيمدح بان فيه الجلالة والوقار ، والتجارب والحكمة ، وأنه يصرف عن الفواحش ، ويصد عن القبائح ، ويعظ من نزل به ، فيقل إلى الهوى طماحه ، وفي الغي جماحه ، وأن العمر فيه أطول ، والمهل معه أفسح ، وأن لونه انصع الألوان وأشرفها . وقد يذم بأنه رائد الموت ونذيره ، وأنه يوهن القوة ، ويضعف المنة ، ويطمع في صاحبه ، وأن النساء يصددن عنه ، ويعبن به ، ويحقرن من جهته ، وربما شكي منه لنزوله في غير زمانه ، ووفوده قبل أوانه « . ( 4 ) وكذلك إذ قد يطرق موضوع الطيف : « الطيف يوصف بالمدح تارة ، وبالذم أخرى ، ولمدحه وجوه متشعبة ، فمما يمدح به : أنه يعلل المشتاق المغرم ، ويمسك رمق المعنى المسقم ، ويكون الاستمتاع به ، والانتفاع منه وهو زور باطل ، كالانتفاع لو كان حقا يقينا . وهل فرق بين لذة الخيال في حال تمثلها وتخيلها ، وبين لذة اللقاء الصحيح ، والوصال الصريح . وبعد زوال الأمرين ، ومفارقة الحالين وما أحدهما في فقد متعته ، وزوال منفعته إلا كصاحبه . ومما يمدح به ، أنه زيارة من غير وعد

--> ( 1 ) الشهاب ص 39 - 40 ط الجوائب . ( 2 ) الشهاب ص 13 ط الجوائب . ( 3 ) الأمالي ج 1 ص 127 - 140 . ( 4 ) الشهاب ص 3 ط الجوائب .